أخبارناسلايد أخبار

الزنزانة ج 3 قيد على الذاكرة

الزنزانة ج 3 قيد على الذاكرة

يامن أحمد

بينما كنت أمشي في أحد شوارع دمشق فاجأني شاب طويل القامة؛ مد يده التي لم أستطع نسيانها رغم مرور السنوات وصافحني وأمسك يدي بقوة هنا بدأت مأساتي .
بسرعة البرق توقفت السيارة البيجو البيضاء أمامي فتح الباب اليساري ودفعني ذو اليد الضخمة داخل السيارة لأجد رجلاً في الخلف والسائق وأحدهم جانب السائق، مرت ثوانٍ وصحيت من غفلتي وراحت مخيلتي لأفلام الخطف التي كنا نشاهدها عن المافيا وبدأت أصرخ داخل السيارة ( لك مين أنتو شو بدكم مني )
باغتني كعب البندقية من الأمام في مقدمة رأسي فأُصبت بالدوار، ووضعوا الأصفاد بيدي اليسرى وقدمي اليمنى، وسمعت صوتاً يقول أبو فراس طلاع بسرعة للفرع بسرعة .
مر الوقت وأنا داخل السيارة أسمع ضحكاتهم وآلاف الأسئلة تدور في ذهني، فكلمة الفرع كانت كافية لتصيب قلبي برجفة، وبدأ نبضي يتسرع أكثر من دوران محرك البيجو .
وصلنا الفرع وكنت مغطى الرأس، فكّ القيد من قدمي ومشيت لا أرى ولا أسمع.
صفعات من هنا وركلات من هناك، شعرت كما يشعر الخروف وهو يجرّ للذبح صباح عيد الأضحى.
صعدنا الدرجات ودخلت أحد الغرف وإذ بصوت يسألني عن اسمي، وصوت مباراة كره القدم تأتي من التلفزيون الذي يتابعه، وفجأة قال لي: هل صحيح أنك ضد النظام .
لماذا تحرض الشباب على النظام؟ .
لم أفهم السؤال، سألته بجدية: من النظام؟ ومن هو الذي أحرض عليه؟ ولم يكن هذا في أيام الثورة، فاعتقدت أن الذي أحرض عليه شخصاً عادياً.
قلت له :لا أعلم أحداً من بيت نظام لأحرضه.
جن جنونه، طرق أحدهم الباب قال له خذوه لتحت .
بدأ مسلسل العذاب داخل غرفه من السيراميك يملأ جدرانها الدماء ورائحة الموت تفوح منها سلاسل متدلية من السقف وأخرى مشبوكة في الجدار، قال له :توصى هيك بدو المعلم.
صرخ السجان وقال أرسلوا البلدوزر.
دخل علي رجلٌ ضخمٌ انهال عليّ بالضرب بذلك الكبل الأسود، ولم يسألني، لم يستجوبني، ولم يتكلم.
ساعات مرت فقدت الوعي وصحوت وفقدت الوعي وصحوت بسطل من الماء بعدها لأجد نفسي بين كومة من البشر مرمياً بدمائي أئن من الوجع، وكان المكان مظلماً لم أعرف إن كنت بين الأحياء أم أني في عالم الأموات.
نظرات غريبة متعودة على هذا الحال، وكان هناك رجل عجوز في الزاوية وباب حديدي في الزاويه الأخرى، وبجانبي رجل وخلفي رجل آخر، سألتهم: هل نحن أحياء أم أموات؟
لم يجب عليّ أحد، سقط رأسي بين الأقدام نمت لا أعلم ساعةً أم يوماً.
لا شيء يوحي بزمان أو وقت إلا ذلك الشفاط الذي يخرج الهواء وذلك الضوء الخافت القادم من خلف فتحة الباب.
فتح الباب مجدداً وأخرجوني جراً لنفس المكان مطمش الأعين، وقفت ساعة من الوقت وسألني نفس الصوت و نفس السؤال ونفس الصمت لا أعلم عن ماذا تتحدث، لم أفهم السؤال، صرخ قال لهم ( رجعوه شحط مابدي شوفو ).
عدت لغرفة التعذيب سبعة أيام مضت وأنا على هذا الحال أو أكثر، صحوت آخرها والدماء تسيل من كل أنحاء جسدي، وجدت شاباً كان بقربي يئن من الوجع كان في السادسةَ عشرةَ، ما الذي تفعله هنا لم يجب إلا بعد وقت طويل، قال: لقد أخذوني لأني أحمل سطل لبن من بيت جدتي وهم يبحثون عن رجل يكتب على الجدران بسطل دهان. قلت يا ويلتي بسطل لبن فعلوا به هكذا، أنا ماذا سيفعلون بي سألته مجدداً .
وذلك الحاج قال لي هو هنا منذ سنين مع أبنائه وذلك الرجل ذو اللهجة اللبنانية ماذا يفعل وذلك الرجل وهذا الشاب لماذا جميعهم صامتون لا يتكلمون.
عرفت بعدها أن جميعهم هنا منذ سنين ولن يكلمك أحد ليمر عليك أشهر، فقد تكون عميلاً مزروعاً بداخل الغرفة، قلت له أين نحن قال لي همساً إننا في فرع المنطقة إياك وأن تنطق أو تحاول أن تقول أنك تعلم فأنت هنا مجرد رقم، إنها الزنزانة
ج 3.
مضت الأيام والتحقيق مستمر، مضى الشهر وراء الشهر وأنا أكتب أوراقاً وأوقع على أوراق، قضيت تسعةَ أشهر دون أن أعلم بأي جرم أنا موقوف إلا ذلك السؤال أنني أحرض ولا أقبل بوجود هذا النظام .
كنت أقول خلال التحقيق من هم الذين حرضتهم لم يكن هناك جواب كان يقول لي: اعترف، نحن نعلم، وكنت أنكر بشدة، فلم يكن هذا المصطلح في ذهني ولم أحرض ولا أنتمي لأي حزب أو حركة أو تيار.
مر الوقت وبدأ البعض يتكلم معي سردت قصتي وأصبحت معروف باسم محرض ضد النظام، ما أقساها، وذلك الأب لا يستطيع أن يكلم ابنه المعتقل في الزنزانة المقابلة له وما أصعبها أشهر مرت
جميع من قابلتهم لا يمكنك أن تصدق تهمهم؛ فهذا معتقل بتهمة الثرثرة؛ أي يتكلم في السياسة، وذلك الضابط معتقل بتهمة انقلاب عسكري لأنه تلقى رسالة مكتوبة من شخص مطلوب خارج البلاد، وهذا موقوف بشتم الذات الرئاسية؛ أي شتم حافظ الأسد، وهذا موقوف لأنه ركب جهاز للاتقاط القناة الأردنية، وذلك الطفل موقوف بسبب سطل اللبن.
كان الفرع يمتلئ بالمعتقلين لا سياسيَ بيننا ولا إرهابي ولا رجلاً معارضاً ولا منتمٍ لحزب، جلنا كنا ضمن برنامج كان اسمه إرهاب الشعب دون تهمة أو جرم.
بعد مرور تسعة أشهر طُلبت أنا وأغراضي مجداً أخذوني لنفس الغرفة بدون غطاء رأس لم أكن أستطع الرؤية فمنذ أشهر و أنا في القبو تحت الأرض، قال لي أحدهم بكل هدوء ( روح طلاع إذا سألك حدا وحكيت بدي قص لسانك) سألته لوين روح؟؟
رن الجرس دخل السجان أخرجوني بنفس السيارة، فتحوا الباب وألقوا بي بأحد الشوارع، أركض مثل المجانين غير مصدق هل كنت بحلم.
الآن مرت السنون و لم أستطع أن أنسى.
إنها قصتي في الغرفه ج3

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى