المدونة

يعز علي الاستسلام.. شعارٌ ومبدأ، اتخذته طالبة سورية لتُخضع معوقات طريقها في سبيل أهدافها لا لتَخضعَ لهم.. مبادئ لا بد لكل من يحمل حلماً اتخاذها فكيف وصلت؟

مقال/  سنا شبيب

يعز علي الاستسلام..
شعارٌ ومبدأ، اتخذته طالبة سورية لتُخضع معوقات طريقها في سبيل أهدافها لا لتَخضعَ لهم..
مبادئ لا بد لكل من يحمل حلماً اتخاذها
فكيف وصلت؟

من النار إلى الجنة، من الموت إلى الحياة من منشأ الأحلام إلى تحققها، من إدلب إلى تركيا.
حينما كنت جالسة على طاولة الطعام في المطبخ، أفكر من أنا ومن هؤلاء! لمَ نحن هنا!
كنت حينها في الرابعة عشر من عمري في بداية السنة الأخيرة من التعليم الأساسي.

إدلب بداية عام ٢٠١٤ ، حيث قوات الأسد:
بداية اندلاع حرب شخصيتي وفكري مع الواقع!
الواقع المتمثّل في الشعب المؤيد و عائلتي (الجديدة) وحكومة الأسد والفكر الأسدي المنتشر في كل بقعة حتى بين أقرب الناس! وهذا الفكر لا يتوقف على شخصية الأسد وقواته في حد ذاتهم، بل فإنني كنت أراه يسكن داخل شخصيات عادية (بشار أسد صغير) الكل يعرف معنى بشارالأسد، لكن هذا ليس اسم فقط بل هو مصطلح يطلق على كل شخص ديكتاتوري متأصل في نفسه حب السيطرة والقمع و تهميش الأشخاص ورفض حقهم وحريتهم ،حتى المعلم مربي الأجيال، حتى أرباب البيوت، الأباء والأمهات، الذين لديهم شخصية بشار الأسد ينقلون بشارالصغير إلى نفوس الأطفال الصغار، بل ويضعونهم تحت سيطرتهم بشكل كامل ناسين أن الله أعطاهم هذه المسؤولية لتقويمهم على الطريق العدل وليس من أجل السيطرة عليهم وحسب. وتصل هذه السيطرة -أحيانًا- إلى عمر الزواج، حيث أنهم يخططون لهم، ويبنون مسقبلهم بأيديهم، وكأنها عملية ممنهجة لاستئصال شخصيّتهم، وجعلهم كالدمى، يتحرّكون أينما يحركوهم هم! ويختارون لهم كف يعيشون حياتهم ومع من يعيشون وكيف يفكرون، وهذا كله يرجع إلى بشارالأسد الصغير بداخلهم.
وتظلّ هذه المعاناة معهم إلى ما بعد الزواج، فقدّ هُمّشت شخصيّاتهم، وأصبحوا يتحرّكون بأمر من بشّار الأسد الصغير الذي انتقل إلى داخلهم في الصغر أصلاً وكبروا معه طيلة هذه السنين!
في تلك الحياة وبين مثل أولئك الأشخاص إلا من رحم ربي كنت أقطن!
كنت أعيش في عالمٍ آخر بعيد عن العالم المثالي الذي رسمته كطفلة تؤمن بأحلامها وفي كلّ يوم كنتُ أدرك قبح ذاك المكان وخطورته، مجتمع يعشق العبودية خالٍ من مبادئ الحرية الحقيقية؛ كانت تظلّنا سماءٌ واحدة، وتمزّقنا المبادئ المتفرّقة الضائعة. كان حِملًا ثقيلًا على كاهلي، لكن ما عساي أن أفعل بطفولتي تلك؟
كيف الطريق إلى تحصين نفسي كي لا يُهاجم عقلي ويحتلّه هذا الفكر العقيم المضلّ! كنت لا أزال طفلة تمامًا بدأت تدرك الخطأ بشكل فطري لكنها أعدت حصناً في أسوأ الأحوال ألا يدخل الفكر الأسدي لمبادئها..

نتيجة لكل الأفكار وباجتماعها بدأت تراودني فكرة الهجرة والذهاب إلى البعيد المجهول كان على الأقل وقتها يحمل وجهين مجهولين، إما نعيمًا رغدًا أو جحيمًا معتّقًا، كان عليّ أن أسير في هذا الطريق آخذة بجميع الأسباب التي يمكن أن توصلني إلى النعيم وأجد بنفسي ماينتظرني في نهايته، لا حلّ آخر! لما عرضتُ الفكرة وصفها كلّ من حولي بأنها سُمٌّ على حياة الراحل فيها-أعتقد أن دافع الخوف من التغيير دفعهم لقول هذا- لكن قرار المحاولة وخوض الطريق والاستعداد التام لمكابحة جوامح الخوف في داخلي والمضيّ قدمًا نحو أحد المجهولين كان الأقوى!
أما عن اختيار الوجهة، فقد كانت تركيا هي أقرب الدول إلينا والفرصة الوحيدة لمن اختار مثل خياري، إذ كانت تقع على حدود سوريّا، وقد لا تتطلّب الجهد الكبير للدخول إليها، حيث يمكننا عبور حدودها سيرًا على الأقدام بسهولة أو لربما يكون العكس أي إما يسراً أو عسراً.
لكن كمّ كلفتني هذه الفكرة من مشقّة وعناء!

عد عدة السفر:
بعد تحرير إدلب وتحقق حلم الحرية انتقلنا لمدينة أخرى وحينها تركت المدرسة عام 2016 على أساسات رأيتها لم تكن مناسبة لخطتي
فالفكر الذي أهرب منه لاحقني حتى المدرسة!
لذا اخترت الدراسة حرة ،ووضعت خطتي التي تتضمن هدفي “من أنا وأين ستكون بصمتي” و “التفوق في البكالوريا” لذا بدأت وفقاً لهذا..

السؤال الآن كيف سأعرف نفسي!
راودتني جملة “معرفة شيء عن كل شيء” لكن أنا سأجعلها “تجربة شيء في كل شيء”
لذا خلال سنتين كنت قد تزودت حينها بأحد عشر شهادة في مختلف الدورات التدريبية والتنموية والكثير من المحاضرات والقراءات والحرص على التقدم في ولو بمعلومة بعد الانتهاء من كل ما أقوم به لذا وبشكلٍ تقريبي كان بإمكاني البدء بالوثوق بنفسي حينها، لأنني أصبحت على دراية بها جيداً وفي ذات الوقت أعددت عدة السفر بأن أكون طالبة متميزة لأحصل على فرص متميزة أيضاً.
أربعة سنوات اجتمع فيهن الألم والتيه والتقدم!
شتاء 2018، كنت جالسة على سريري وقد تجمّعتُ كومةً واحدة، تكتّلت في مكان صغير، وكأنما تطاير منّي معالم بنا الجسد، كنت هزيلة جدًا، نتاج سنوات طويلة من المعاناة في خسارة عائلةٍ واستشهاد أحبابٍ وتشتت وخيبة آمال وفي كلّ يوم يثقل عليّ المشي في الطريق أكثر نِتاجَ الآلام المتصلة والجروح الغائرة التي لا تندمل، والأكثر ألماً من هذا لي أنه في ضعفي هذا كنت لا أزال أعيش مع أولئك الأشخاص الذين يسيطرعليهم فكرُ عدوّي- الفكر الأسدي- وأنّ طاقتي قد استنزِفت وتضاءلت جدًا عن طاقتي قبل أربعة سنوات وبذل الجهد للحصن أضحى أكثر صعوبة الآن!

لكن لا استلام لا تراجع لا نهاية مزهرة دون طريقٍ شائك فالتزعزع عن الثبات ليكون أشد ألماً من أكبر ألم حدث أو قد يحصل.
كما أن الأهداف واضحة، اكتشاف نفسي وأين يكمن شغفي ثم الشروع في السعي إلى إتقان ما أبدع به لأبدأ بوضع بصمتي الجديدة على الأرض وهكذا كانت بداية رحلة البحث..

لكن وقع مالم يكن بالحسبان! أن دخلت بشكل كامل بحالة صحية جعلت من خطتي لسنة البكالوريا التي تحدد هويتنا في مرمى القمامة فما عدت أقوى على الدراسة، كان لذلك دورٌ كبيرٌ في التهام طاقتي وعدم رغبتي في النهوض ومواجهة الحياة.. ثُباتٌ كامل..

قبل الامتحان بثلاثة شهور، كنت قد تقدمت قليلاً رغم الآثار النفسية لكن المفاجأة أنني اتخذت قرار بالامتحان هذه السنة، رغم أن الوقت لا يكفي إطلاقاً وهذا كان قول كل من قابلتهم إلا اساتذتني الذين يؤمنون بي.
لقد كان قراراً مفاجئاً..
صناعة الدافع
من أجل الاستمرار أعدت ترتيب أوراقي وأوضحت أهدافي لنفسي من جديد، وضعتهم نصب عيني وتوكلت على الله.
لكن من طبيعة الإنسان الفتور، فتارة ترتفع طاقته ليلتهم كل شيء وتارةً تنخفض
كيف تخطيت هذه العقبة الطبيعية! فلا وقت عندي للفتور! الإجابة هي صناعة الدافع
ضع دافعاً أمامك كلما كادت طاقتك تنخفض دعه يركلك ركلة وإن سقطت دعه يعطيك يده لتنهض ويركلك من جديد كي تسرع أو لا تتوقف، خصوصاً في أوقات التحدي!
لأن التوقف أو البطء طبيعة بشرية ولا مهرب لأحد من طبيعته التي جُبل عليها.
وكم عمل معي هذا المبدأ! لأن المفاجأة كانت أنني نجحت بمعدل 82.27 بالمئة!
وهنا وقفت على أعتاب الحلم.
بدأت في إجراءات السفر من موطن الأحرار إدلب، التي تجتمع فيها كل أنواع العنف والحرب والتعذيب والدمار!
هناك طريقتين للسفر إلى تركيا لا ثالث لهما إما التهريب أو التهريب!
لم أكن أعرف طريقة أخرى يسلكها من فكر في الهرب خارج البلاد.
يتجمع الناس الذين يقصدون الهروب إلى تركيا في مزراع تشوبها روائح نتنة، ينامون فيها أيامًا وأسابيعًا و ربما شهورًا حتى يأذن لهم القدر بالنفاد من شر الدرك التركي والذي يدعى بالجندرمة!
قررت حينها الخروج بهذه الطريقة، ولاقى قراري موجة غضب عارمّة من قبل أهلي، ورغم كل العذابات والألم والرعب الناتج عن هذا القرار إلا أنني كنت أفضله على جحيم عدم عيشي وشغفي سويةً، فأنا إنسان وروحي تطالب بحقها في الحياة و للحياة عندي تعاريف كثيرة!
عزمت الذهاب وأصريت من أجل فكرتي التي يشوبها الخطأ إلا أنني فضّلت المغامرة على أن أُقتل بشكل بطيء في ما يتبقى لي من حياة.

وصلت السيارة التي ستنقلنا إلى منطقة الحدود، وكنت قد أودِعتُ كأمانة مع أحدى العائلات التي نعرفها، طفلان وأبٌ وأُم، هجِّروا من الغوطة الشرقية لم يستطيعوا التأقلم مع الوضع في إدلب!
محافظة إدلب-دركوش (الحدود السورية التركية)
وصلنا أخيرًا إلى هناك ونزلنا جميعًا من سيارة المهرّب (وسيلة العبور للبر الآخر) إلى الأمل الوحيد المتبقي لنا.
كانت مزرعة كبيرة فيها حديقة واسعة وأشجار ومسبح ، لكنها ليست كما تخيلتهم! لقد كانت المزرعة الأكثر نتانتة على وجه الأرض!
امتزجت في هذه الحديقة كل أنواع المشاعر، وكل طوائف البشر، الحزن والألم بجوار الترقّب والسعادة، والحب أيضًا!
كانت النقاشات بين الشباب حول مأساة تجاربهم السابقة في الهجرة غير الشرعية، والنسوة عن مآساتهم مع قذائف الحرب التي شوَّهت معالم حياتهم وأودت بهم إلى هنا. كنّا نرى الجدار الفاصل بيننا وبين تركيا، كان حلمًا قريبَ التحقّق، لكني كنت أشعر بغصّة مما يدور حولي، ليس هناك شيء مطمئن!
كان القفز إلى الناحية الأخرى بمثابة تحرّر من نار الأسد التي يحرق بها إدلب -على مستوى القصف وعلى مستوى العلم-إلى نعيم الأمان والاستقرار في تركيا..أو هكذا كان يبدو لنا!
مرّت الدقائق من خلالها كالساعات والساعات كالسنين، حتى جاءت الساعة الخامسة، ومع أول خيط ظلام، جاء النداء من بعيد “يلّااا الكل يتجمّع هوون كل واحد يحجز مجموعته ويركب بالسرافيس” كان صوت المهرّب بحماسة.

ورغم عدم الطمأنينة، كانت معنوياتي مرتفعة حدّ السّحَاب، إذ كانت تجربتي الأولي مع التهريب، بدأت أحّث الناس عن قدر الله،وأن من يقفون في وجه أحلامنا هم عبيده وهو مالكهم، وأن كل شيء يجري بقدره هو، ليس لأحد فيه شأن!
ظهرت عليّ حماسة الشباب وسط كل الوجوه العبوسة، كانوا ينظرون إليّ كأنما أصابتهم دهشة من كمية الطاقة التي أتحدث بها، المهم أنهم سمعوا ما قلته دون تأفف أو مقاطعة.

“يا الله أدي برد” قلت في نفسي. تخطّينا حواجز الفصائل، ووصلنا إلى نقطة الانطلاق وكان المكان مليئًا بالخيام، وكان الهواءُ قارسًا من شدّة البرد، حينها تملّكني شعورٌ غريب، كان الخوف والترقّب يتصارعان مع الفرح والأمل.
نتّجه إلى مصيرنا!

قسّمنا المهرِّب إلى مجموعتين ووضع على رأس كل مجموعة دلّيل؛ أشار إلى الطريق الذي سنسلكه، وقال: استمعوا إلى ما سأقول الآن جيداً “إياكم أن تصدروا أي صوت في الرحلة، أغلقوا الهواتف كي لا نُكشف، ثم التفت نحو الأمهات وقال “الأولاد نيمتوهم منيح؟ -يقصد الرّضع- ديروا بالكم من فيقتهم عالطريق”. أخذ الأطفال حينها من حبوب المنوم ما يكفي لمرضى النوم في مستشفى كاملة!
وقال أخيراً “امشوا بخطوات هادئة وحكيمة وحاولوا تحسس الطريق، تجنباً لقوارير الماء البلاستيكية التي تكشف الهاربين، حيث تُصدر صوتًا عاليًا عند دعسها! وأمرنا أن نتخلى عن كل ما هو أبيض في لباسنا، وبدأت الرحلة.
توكّلنا على الله “قال الجميع معًا”
كان الخوف يغمرنا من جسدنا أقدامنا حتى وليست قلوبنا فقط! ، يتصاعد ببطء كلمّا تقدمنا خطوة نحو الأمام، خفقات القلوب أصبحت مسموعة حيث السكون الشديد، ولأجسادنا حظّ في هذا حيث كانت الرجفة تخلق معاركًا بين فكّينا من قرص البرد، والوحل يلتهم كلّ الأشياء الغير متماسكة جيدًا واحدةً تلو الأخرى.
استمرينا في السير حتى وصلنا إلى نصف منحدر وكانت البداية هُنا، أما الطريق الذي مشيناه قبل ذلك كان فقط مقدمة من الرعب! كان على سطح ذاك المنحدر وحلاً رطباً جداً ومخيف، وقفنا على حافته “كل واحد يمسك بأيد مجموعته وأولاده انتبهوا منيح هون بضيعو أولاد كتير، أنا لح أنزل واثنين اثنين بتنزلوا ورايي” قال المهرب بصوت منخفض جداً لا يكاد يُسمع. ومن المؤكد أن الأطفال متوسطوا الأعمار يتيهون هنا لأن كل واحد منا لا يرى من بجانبه، كانت عيوننا متفتحة لكن لا نرى شيء كأنها مغلقة تماماً من شدة الظلمة!
“يلا أنا نازل ولح أمسك واحد واحد شوي شوي ولا تطالعوا صوت صرنا بمنطقة مكشوفة” قال المهرب بحذر.
“بسم الله” قلنا جميعًا. كان قلبي يرتجف حتى كاد يختلج لكن في ذات الوقت تحتله قوة (لا استسلام) ، كنت أخشى أن تُزلّ قدمُ أحدهم فنرجع من جديد لنقطة الصفر.
أغمضت عيوني متخيلة أن الله ينظر لي برحمة واسعة قائلاً لي (كلنا آذانٌ صاغية) تخيلت أن شعاعاً يخرج من قلبي إلى السماء من شدة رجائي به وأن ذاك الشعاع يرتد إلى قلبي ليدفئه.
وقبل أن يحين دورنا بشخص واحد فقط، حدثت كارثة!
انزلقت قدم الشخص وخرج ذاك الصوت المرعب -صوت تزحلقه في الوحل- على الفور شعر بوجدنا الدرك وراح يصيح أصواتاً عالية قائلاً: “إلى سوريا” ، كان كل صوتٍ يدخل إلى أعماق دماغي فيطفئ جزءً ويمزق آخر، عتمةٌ وموت يحيطان بنا؛ وسرعان ما بدأ الناس يركضون بجنون نحو الأعلى والهروب مرة أخرى. يفرون من الموت الذي كان ومازال يلاحق أرواحهم لكن مع الأسف في كل مرة كانت تنزلق أقدامهم أكثر ويسقطون.
كان الخطر يحيط بنا من كل جانِب، على الرغم أن أجسادنا لم تنل ضرراً في تلك اللحظة ، إلا أن قلوبنا صارت تنزف من شدة الذعر! “اهدوا شوي ما تتحركو ولا حركة ، اهدوا منشان يفكرو أننا رحنا، هسس ولا صوت ولا صوت” صاح المهرّب.
جلسنا القرفصاء، وأسندنا رؤوسنا على ركبنا، رجفة شديدة اعتلتنا من رؤوسنا إلى أخمص قدمينا، غارقين في الخوف بلا حول لنا ولا قوة، الخوف والألم يتصارعان أيهما أقوى ليتمكّنَ منّا هذه اللحظات! وعلى هذا الحال قضينا طريق رحلتنا الذي بقينا فيه مدة يومان، نصارع الخطر والموت. وفي اليوم الثالث، كما الجميع قلنا “إن لم ندخل اليوم فسنعود إلى سوريا تائبين عن تلك التجربة”
ولكن اختلف طريقنا تمامًا في هذه المرّة، فقد سلكنا طريق جبلٍ شاهق متعب، الكل صامدين في التحرّك حتى منصف الجبل، شرع الناس يتعبون وبدأوا يرجعون واحدًا تلو الآخر، حتى بقي الشباب ذوو البنية الجسدية القوية، الذين تساعدهم أجسامهم على إكمال المسير بعد مواجهة ومصارعة دامت بين رغبتهم في الاستسلام للعودة وبين جملة (بلكي دخلنا) عله إذا حصل هذا ستتغير حياتهم تمامًا نحو الاستقرار!
قبل وصولنا إلى الأراضي التركية كان يفصل بيننا عبور طريق بضعة أمتار، وفي هذه اللحظة وقبل العبور، كان آخر شيء متعِب علينا فعله هو الخروج من هذا الوادي الذي قضينا فيه كل هذا التعب، كان علينا تسلّق انحدار عالٍ بل والمرور من على أوراق الأشجار المتساقطة وأفرعها المتكسّرة بحذر شديد دون إحداث أية ضجيج حتى لا يعتقلنا حراس الحدود.
وصلنا أخيرًا على رأس الجبل حيث كان القمر بدراً، كان مزيج ضوئه وأضواء مدينة الريحانية منظراً من الجنة كاد قلبي يطير له!. “استعدوا ، ولا صوت بس اشرتلكم بتطلعو ورايي وصلنا تمام؟” قال المهرب بصوت يكااااد يسمع،”اللهم لك الحمد وأخيرًا” قلت في نفسي. قاطع المهرّب حبال أفكاري العالقة في عنان السماء وهتف “اسرعوا شوي” قال وهو يترقب بحذر شديد: أمتار قليلة جدًا وسنصل بعد رحلة شاقة، وكله سيزول حين نصل. وبينما نحن نهرول لقطع الطريق ضربت على وجوهنا أضواءٌ أعمت أعيننا وقلوبنا وكلّ ماكان يشعّ من فرحة فينا! إنها الجندرما التركية.
انفجرت عيوني بكاءً فقدت السيطرة عليه، لأنه لامهرب من غصّة قلبي وخيبة أملي بعد كل هذا التعب.
شعرت بالدوار كأنني سأفقد توازني، هل سيتلاشى الحلم عند هذه النقطة القريبة جدًا من تحقيقه!
تجمّع حولنا عناصر الدرك التركي سريعًا، وأمسكوا بنا..
بعد تفتيش أمتعتنا عدنا من طريق مختلف..
الطريق الذي قُتلنا فيه جميعاً قبل أن تخطي أقدامنا الحدود مرة أخرى، فقد عدنا مستنزفين حد آخر نقطة ، قلوبنا تئن من الألم ، أجسادنا تصرخ من شدة التعب ، كأن داخل أقدامنا بركان وحمى، كنت أشعر أنني على وشك الانهيار!
قبل الفجر بقليل عدنا إلى بيت المهرب، نمنا هناك واسترحنا إلى أن حل الصباح.. خرجنا صباحاً مودعين الحدود السورية التركية. عدنا كما نحن من الخارج، ولكن ليس بنفس شخصياتنا، كنّا محطّمين من الداخل، مستنزفين إلى أبعد الحدود! ثلاثة أيام فقط كانوا كفيلين بترك جروحٍ داخلية تلتهب لسنوات!

لم أكن أعرف كيف سأسافر إلى تركيا وبأي طريقة ولن أتراجع عن الفكرة ، كما كان السفر بشكل نظامي شبه مستحيل. لكن لم أكن على دراية أيضاً بأنه يمكن للطالب الذي يحمل قيداً في إحدى الجامعات التركية أن يسافر عن طريق المعبر الرسمي! فجأة علمتُ هذا من أحد الطلاب في تركيا ورغم أنه فعلاً مستحيل حيث أنه بين الكثير من الحالات والقيود الجامعية يُقبل قيد البعض وهذا بشكل نادر، لكن لِمَ لا أكون من النادرين!
بدأت بالمفاضلة على جميع الجامعات المتاحة وبعد إجراءات المفاضلة، نتلقى النتائج في رسالة على بريدنا الإلكتروني ضمن ملف pdf.
جاءت رسالة إلى واتساب في مجموعة الطلاب أن نتائج الجامعة التي فاضلت عليها مؤخراً خرجت، وبدأ خفقان القلب.
فتحت الملف أبحث عن اسمي بترقب وحذرٍ شديد ولوهلة وجدت اسمي!يا إلهي! كان يصعب عليّ التصديق، رحت أُحدق باسمي وأقرأه لأكثر من خمس مرات! “لقد فعلتهااا، قُبلت في جامعة تركية حكومية، لا أصدق يا الله ” رحت أصرخ وأقفز وأقبل أمي وأصرخ من نشوة البهجة والفرح.
وهكذا بعد أن اكتسبت مقعدًا في جامعة ترتيبها السادس على تركيا قدمت أوراقي للمعبر السوري الحدودي، حيث يفترض أن تأخد عملية الموافقة أو الرفض فقط مدة عشرون يوماً، و كحد أقصى شهر.
وفي هذه الفترة كانت معنوياتي تعانق السماء حتى كدت أصدق أنني في تركيا لا محال!
مرّ الشهر والشهرين والثالث و قد قيل لي من قبل المعبر الحدودي أن أوراقي قد رُفعت للمعبر التركي لكنني اكتشفت كذبتهم عن طريق محاميّ ذهب ليطلب ملفي في مكتب الوالي ولم يجده!
ومرّت ثلاثة شهور عملت فيها على رفع أوراقي بجميع الطرق التي كانت بين يدي، تلك الأوراق التي كانت ثمرة ماعملت وحلمت منذ أربع سنوات، كانت الحياة التي كرست لها كل مابي من صحة ووقت وراحة، كلها للحظات الولادة تلك وهي السفر إلى تركيا و البدء في طلب علم مُتقن وانطلاقة استقرار.
بعد فترة تلقيت خبر تمزيق أوراقي في المعبر السوري!
كان الخبر كالصاعقة، ولكنني لا أعرف ما صحة هذا الخبر، ما أعرفه فقط أنه كاذب عديم الضمير، فقد أكد لي أن أخلع من رأسي فكرة السفر بحجة أنّ الجانب التركي لم يعد يقبل طلبات.
بعد أيام راسلني شاب كان قد طلب مني مساعدته في إرشاده للطريقة التي يثبّت بها مقعده في الجامعة، كان هذا في مكان لا تتوفر فيه دولة رسمية أمرًا مستحيلًا أو شبه مستحيل. اضطرت والطلاب الذين قُبلوا في جامعات تركية إلى الذهاب لمنطقة حدودية مع تركيا تسمى “عفرين” لنقوم بعمل وكالة لأحد الأشخاص ليثبت أسماءنا في الجامعة. لم يكن الطريق إلى عفرين سهلًا، فهو هدف سهل لحدوث أي اشتباكٍ فجائي، أو قطع الطرق أو حادثة خطف!
كان قد أخبرني ذلك الشاب قبل فترة أن أموره تعسرت في المعبر ورفضوا أوراقه، وكان قد تقدم بالطلب بعد تقديمي لأوراقي بكثييير من الوقت، و حينما راسلني قال لي “باركيلي قدرت وصّل أوراقي للجانب التركي عن طريق واحد بيعرف فلان بالمعبر.. إلخ” كنت مندهشة، وتملّك الغيظ قلبي لتقديمهم صاحب الواسطة على غيره!
شعرت بعد تلك الخيبة وكأنني دخلت فعلاً صفّ المحاربين لأخوض حرباً ضد من يحاول أن ينهشني ويتطاول على أحلامي، رغم أن قلبي كان صغيرًا جداً على حمل سلاح المقاومة، لكن لكل شيء ثمن! وقد آمنت بنفسي وبفكرتي وعليّ أن أحارب من أجلها حتى لا أكون في عداد الموتى الذين يعيشون دون أرواحهم.
كانت روحي تقطن في مكان ما (تركيا) حيث العلم و الهمّة، حيث حقوقي،وحقوق الحياة..
لقد استثمرت المتاح والممكن، كل صغيرة وكبيرة، مع توكّلي على الله وتفويض أموري له دو تواكل أو تراخٍ، وكنت دائمًا أطلب القوة من الله، لأن كل شيء حولي كان خالٍ تماما من الإيجابية.
تمرّ الأيام ببطء شديد، يأكلني الانتظار،كنت أذهب إلى فلان، فيرميني إلى فلان آخر، وكنت إذا ذهبت إلى الآخر رماني إلى آخرٍ بحجة أن لديه سلطة وسيساعدني، بدأ يعترني التعب والإرهاق، خيوطٌ زرقاء رُسمت أسفل عيناي، وبدأت طاقتي بالنفاد يومًا بعد يوم حتى وصلتُ إلى أسوأ حالاتي، لقد وصلت إلى أعتاب اليأس!
في نهاية المحاولات البائسة، أرسلت رسالة إلى شخصية مشهورة تحتوي على محاولاتي ونهاياتها عند المعبر وتلاشي أحلامي بين أيدٍ لا تخاف الله، وكنت قد طلبت المساعدة حينها، وإذا بها بعد فترة قصيرة، وعلى حين غرة، حدث أن أجابتني وهو مالهم أتوقعه أبدًا! كلمات جبرت خاطري!شعرت حينها أن أبواب السماء تفتّحت وتناديني، لقد استجاب الله لي دعائي رغم أن شخصية كهذه يفترض وصول مئات الرسالة لها يومياً! كيف حدث ذلك! لماذا اختارت رسالتي! كان لتلك الأسئلة التي اقتحمت رأسي جواباً واحداً فقط، هي قدرة الله حين تسعى بكل ما أوتيت من قوة فيكون عونًا لك بكل ما عنده من رحمة! إنه وعده! (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً، يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا، يره) ، (وبشر الصابرين) كنت أنتظر وعد الله الحق.. بشرى الصبر! وكانت حقا.
كان الرد يحتوي على فتح يدي المساعدة وتقديم أوراقي إلى الجانب التركي مباشرةً، وكان بالفعل. انتظرت أيامًا وأسابيع ووعود كانت مستمرة طوال تلك الفترة، كانت الثانية تمرّ علي كأنها عام مزخم بالحمى.
كان اهتمامها بي غريبًا جدًا وهي لا تعرف عني أي شيء فقط تلك القصة التي قصصتها عليها.. بعد أشهر أُخر من الانتظار بدأت صحتي بالتدهور مجدداً، حتى بدأ النوم يتلاشى أيضًا من عينيّ. بدأت في مرحلة جديدة من نوبات الفزع والصداع القاتل، كنت أشعر في بعض الليالي أنني سأنهار، فأصرخ وأضرب رأسي من شدة الوجع، أو على الأقل ليشر دماغي بشيء ويستسلم للنوم دون التفكير بالسفر و ماخلفه لي، لكنه كان يرفض في كلّ مرة! بعد ذلك بدأت بتناول المهدئات للنوم، نجح الأمر مؤقتاً حتى تلك الليلة.. الليلة التي بكيت فيها بكاءً داميًا حتى بكى السقف معي وسالت دموعه على زوايا الجدران، حتى الأسرّة والوسائد، كأنهم يأنون من فرط الألم الذي حلّ، إنه عقلي اللعين، ينتظر التحاف السماء بالظلام ومن ثم يبدأ بتجميع الأرشيف وعرض اللقطات التي تحلو له. لقد كانت ليلة انكسار تركت قلبي ندوبًا لم تندمل إلى الآن! لقد خارت قواي جميعُها، تذكرت فيها أنني سلكت كل الطرق التي قد توصلني إلى الخروج إلى البر، وجميعها كانت مسدودة أمامي، لكن قلبي لم يقبل أبدًا فكرة الاستسلام، بل رغم انكساري ظل الأمل بداخلي حتى ولو كانت نسبته قليلة، لكنه ظلّ قائماً!
في تلك الليلة الشديدة البرودة، بعد أن سقطت أرضًا من التعب، وما عدت أقوى على شيء، حتى التفوه بالكلمات، جررت خطاي إلى غرفتي، وبأيدٍ مرتجفة التحفت بالغطاء إلى ظهري، ثم أخذت وضعية السجود لله، كان جسدي كله قد تغطى كما المختبئ لكن كان يعلم رحمة الله وهو الذي لم يضع لنا أي حواجز بيننا وبينه مهما كان مستوانا، قوتنا، مكاننا و أخلاقنا.. ورحت أسرد ما في قلبي من قهر، أبكي كمن يحتضر، سالت الدموع حتى غطت وجهي ومكان سجودي، ولم أشعر أن عيوني غفت بعد تنهيدات أطلقتها من قلبي المصاب، كنت كطفل يتألم طوال الليل في حضن أمه، ولكن في هذه المرة كان بين يدي ربه الرحمن الرحيم، ونمت في مكاني.
استيقظت في الصباح وكما عادتي أفتح عيوني ثمّ هاتفي منتظرة أخبار مستقبلي الذي أحببته بكل ما أتيت من قِوى، وقد كان النعاس يغشي عينيّ المنتفختين اللتين تؤلمانني من شدة البكاء ليلاً إلا أنني فتحت الهاتف ووجدت رسالة من تلك الشخصية، مكتوب فيها: “طلعت موافقك سنا، مبروك صار فيكِ تفوتي، اسمك عالمعبر، وفيها صورة للموافقة على الموقع تتلوها جملة” ألف مبروك حبيتي”
قفزت قفزة فزع، شعرت بأن رأسي قد ارتطمت في السقف من شدة الحماس! أطلقت بكاءَ صدمةٍ فتحت على أثرها مسجل الصوت أبكي بصوت متقطع محترق وفي حناياه فرحة أبدية، لطالما تعذّبت ولم أنم طيلة الأربع سنوات الماضية دون مرافقة التفكير لي، كلما أشعر أنتي عالقة أقول” كم يعز عليّ الاستسلام!” كم يعز عليّ التراجع، كم هو عزيز على قلبي أن أكون شخصاً عادياً! ، ثم أكمل في كل مرة بمشقة على نفسي.. وكان لهذا الانتصار الصغير في حياتي طعمٌ من جماله كأنه قطعة من الجنة!
كادت المرأة تبكي من ردة فعلي ثمّ أخبرتني عن مدى اهتمامها بمتابعة الموضوع وسألتني فقط الدعاء لها! كم هو مقابل بسيط لعمل كهذا، غيّر حياة إنسان بأكملها!
وبدأ تجهيز الحقائب وجمال الدنيا والغبطة تعتري قلبي.
هممت للسفر بعد أسبوع من الموافقة. كانت نفسي لا تطيق الانتظار لأكون على الحدود السورية التركية، أخيراً السفر! ودعت أمي ودموعها الغزيرة، وبكاءها ونحيبها، كانت تشعر أن هذه المرة صادقة، لذا كان الوداع صعبًا بعض الشيء على كلينا!

كنت في لحظات أشعر أن عقلي يغيب، وأدخل في عالم شديد السواد أشعر أنه يغشي على دماغي ويحول بيني وبين إدراك اللحظة، وفي لحظات أخرى أدرك أنني على باب الدخول لعالمي الجميل فأشعر أنني أطير. وصلنا إلى الجانب التركي، وبعد التفييش و تفتيش حقائبنا ، انتقلنا إلى الخطوة الأخيرة وهي البصمة وختم الموظف لنتمكن من الدخول. رحت اتمعن – ولأول مرة- تفاصيل كل شيء يخص هذا المكان، الجدران، الموظفين، الحواسيب، التراب الذي ما بعد البلور الذي نقطن أمامه قبل فتحه لنا.. كم كان جميلاً! إنه حلمي أراه أمام عينيّ لكنني في بعض اللحظات لا أدركه بشكل كامل، كنت أشعر أن استيعابي يُفصل فجأة عن الواقع ليأخذني إلى العالم الأسود فشرعت بين الفينة والأخرى بتنبيه عقلي أننا الآن في اللحظة التي لطالما عشنا من أجلها، لكن عقلي فعلاً قد اعتاد وبُرمج على الانتظار والقلق وهذا كان أول شيء تنبهت له أن عقلي في صدمة ويحتاج للمداواة ليكون أسرع في استيعاب الواقع!
شعور قلق جديد!
انتظرت حتى جاء دوري عند الموظف الذي نظر لي مبتهجًا يفتح جوازي ثم ينظر له قائلاً: سنا! بلهجة مبتهجة، قلت: نعم. (باللغة الإنجليزية) قال شيء باللغة التركية لم أفهمه، فقلت له لم أفهم، هل تتحدث الإنجليزية؟ فتحوّل الوجه المبتسم إلى وجهٍ آخر في لحظة وقال بتهجّم: “نو انجلش” ثم بعد قليل أتبع راميًا الجواز أمامي: “مزور!”.. كانت تلك الكلمة كالصاعقة على قلبي، وعندما جاء المترجم رحت أتكلم بحدة يتخللها انكسار:”ليتفحّصه جيدًا تاريخه قديم وفي ذاك الحين لم يكن أي أحد بحاجة للتزوير”. أصريت بشدة أن جواز سفري كان شرعياً، وفي كل مرة كنت أُصر فيها، كان الغضب يتطاير من عيني الموظّف، فحذرني أحدهم قائلاً: “أنصحك بالخروج يا أختي فإن لم تخرجي سيضع لك مانع سفر لمدة سنة”!
-اخرجي الآن – همّ بحمل الأغراض- مكملاً: دعيني أساعدك في حمل الأغراض ثم عاودي المجيء غدًا، لكن لم أكن أعلم أو لأكون واضحة، لم أعر اهتمامي لأخذ الموظف صورة لجواز سفري ليعممها على جميع الموظفين على أنه جواز مزور كي لا أحلم بالسفر في حياتي! وحينها لم تجدي المحاولات نفعًا.
اقترحت إحدى قريباتي من الدرجة الأولى والتي تقطن في إحدى مناطق النظام بأن نرسل لها الجواز للتجديد، و بعد شهر كامل من إرسال الجواز و العمل على الأوراق، رفض آخر ضابط يُطلب منه الموافقة على التوقيع، أن يوقع لي.. يريدني أن آتي بنفسي ليجتروني في سجونهم الرخيصة.. تلقيت الخبر بخيبة كبيرة ومعها رضا يسكن قلبي في الآن ذاته. وعدت بجواز سفري من جديد لنقوم بآخر محاولة بعد شهر كامل. حاولت هذه المرة أن يكون مظهري مغايرًا تماما لما كنت عليه سابقًا، ثم مضيت متوكلة على الله.. وصلت إلى المعبر بخشية كبيرة تعتري قلبي، وخفقات خوف تكاد تُسمع من شدتها، شعرت بأن جسدي يرتعد، حاولت أن أهدِّئ من روع نفسي، وأواسيها وأقول: لا أنا لست ممن يخافون، لماذا أخاف؟ لكن قلبي لازال يرتجف!”أدركَ الحقيقة”
توكلت على الله الذي بيده كل من يقف حائلاً بيني وبين حلمي.. وصلنا مرة أخرى إلى الجانب التركي و كالعادة، جرت الإجراءات الروتينية من تفييش ومراجعة الجوازات. وقفت بين جموع المسافرين، أعداد كبيرة تنتظر، أسندت رأسي إلى حاجز حديدي وبدأت أناجي الله بكل ما أوتيت من كلمات، لقد دعوت الله:اللهم أنت القائل وقولك الحق:”أمّن يجيب المضطر إذا دعاه”، اللهم إني مضطرة فأجبني يا أرحم الراحمين
اللهم إن حياتي كلها تقف على استجابتك في هذه اللحظة يا الله. قلتها بخشوع عميق ورجاءٍ كبير.
بعد دقائق نودي باسمي للذهاب إلى غرفة المخابرات والتفييش، في حين لم يسمح بدخول أي مسافر بعد! شعرت بأن قلبي يتقطّع من الخوف وفي ذات الوقت أشعر بقوة خارقة من وجود رب العالمين المتحكّم في زمام الأمور كلها.
دخلت الغرفة وكانت مليئة بالعناصر، يتوسطهم ضابط أو شخص ذا رتبة هناك. وبدأ التحقيق معي كأنني قد قمت بذنب وأُحاكم، سألني لماذا عدتِ يا سنا ألم نقل أنك لن تعودي إلى هنا أبدا!
قلت أنني عدت لأن جوازي غير مزور لكن لأثبت ذلك أرسلته إلى منطقة نظام لتجديده، ثم قدمت له الأوراق التي قد وضع عليها طوابع تجديد الجواز، ثم أخبرته أن الضابط عند نظام الأسد لم يوقع وقال ممنوع ثم أراد مني الذهاب إلى هناك، مكملة: إن ذهبت إلى هناك سأُعتقل!. نظر في جوازي مرة أخرى وقد حكه بأظافره ليتأكد أنه جلد وليس ورق،. وفعلا كان كذلك.. قال لي “لماذا أنت ذاهبة إلى تركيا؟”.. قلت “إنه حلمي مذ كنت في عامي الرابع عشر و قد عملت لأصل له كثيرا و أدرس في جامعات تركيا!” – رغم أنه رأى ورقة قيدي في جامعتي- صمت قليلاً وتشاور مع أصدقائه؛ من ملامحه يبدو أنه متردد لكن قلبي يقول لي أن الله استجاب فكان في قلبي صبر كبير مع كل تلك المشاعر. أعاد النظر في جوازي ثم رفع رأسه إلي قائلا: هيا تعالي معي.
لم أكن أعرف أنها كانت لحظة قول الله لي “فاستجبنا له و نجيناه من الغم”.
أخذني إلى باب الخروج معتقدة أنه سيطردني مع الأمل ألا يفعل ذلك، وقف أمام المسافرين جميعًا وحارس الباب، كانت نظرات المسافرين نظرات قلق شديدة تظهر جلية على أعينهم، صمت الضابط وقال:أحضري أغراضك، أحضرتها سريعًا مع دفعة فرح لكن قلت لنفسي خذي نفسا حتى يتم الأمر، ثم تم تفتيش أغراضي وقد أخذني الضابط بعدها إلى غرفة البصمات، قلت له بدهشة ولمعانٍ يبرق في عيوني “قل لي يعني سأدخل إلى تركيا!!” قال “نعم!”
يا الله كدت أسقط أرضا من شدة الفرح، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه”قلتها وأنا أزفر ببطء”. حينها، اعترت الغبطة وجهي النحيل والمليء بالشحوب و الهالات السوداء أسفل عينيّ المتهالكة، التي تعلن بوضوح آنذاك أنني وصلت للتو من داخل حرب جلفة استهلكتني حتى وجهي!
بعد أخذ بصماتي، أخذني الضابط وجوازي إلى قسم الختم، وبعد قليل، رفع الضابط الجواز لي يشير بإصبعه إلى الختم!
قلبي سيغمى من الفرح لم أشعر إلا وكأنني طير الآن بريد التحليق بكلّ خفة، التحليق فوق الأفق بعد سجنٍ معتق.
وصلت أخيرًا إلى الجانب الآخر من الحياة، حيث حلمي وشغفي، حيث ما خططت،وحيث غمرني الله بأضعاف ما خططت له..
كانت دفعة الهواء التي دخلت إلى رئتيّ بعد عبوري أجمل دفعة هواء شممتها في حياتي،
رحت أتأمل تفاصيل الأبنية كأنني أريد حضنها في عينيّ..
قلبي يخفق لأول مرة خفقة تكاد تُسمع، لكن لم تكن لتسمع من الحزن هذه المرة بل من السعادة!
كنت تماماً كمن كان على حافة هاوية وكاد يسقط إلى مالا نهاية، لكن على حين غرة أمسكت به يد أنقذت حياته إلى الأبد..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى