منوعات

كيف لمدجنةٍ مهجورةٍ أنْ تتحوَّلَ إلى مأوى لأكثر من 22 عائلة؟؟

يحصلُ هذا في الواقع وليسَ ضرباً من الخيال، وفي الشمالِ السوريّ تحديداً؛ حيثُ تقيمُ
اثنتان وعشرون عائلةً من أسرة واحدة في بناءٍ مهجورٍ بائسٍ كان مُعدّاً لتربية الطيور لا نوافذَ فيه ولا أبواب.

أسرة الحسون المنحدرة من قرية صغيرة هادئة تدعى التح تتبع إدارياً لمعرة النعمان كان لديهم مزارعهم ومنازلهم الكبيرة الواسعة وأبنية كثيرة لتربية الطيور والحيوانات، هُجِّروا منها مع اشتداد وتيرة القصف خلال الحملة العسكرية الأخيرة التي شنتها قوات النظام مدعومة بالقوات الروسية على ريف إدلب الجنوبي.

تاهوا على وجوههم في الأرض مع أطفالهم ونسائهم بما حملوا من متاعٍ قليل ومالٍ يسير إلى أن استقرّ بهم الحال في بلدة إسقاط في ريف إدلب الشمالي،ليعانوا أزمةَ أجارات المنازل المرتفعة وانعدام البدائل فلا خيامَ تأويهم، بعد معاناة كبيرة وجد عبد الرحمن وهو الابن الأكبر في الأسرة رجلًا من أبناء المنطقة اتفق معه ليستأجروا بناءً مهجوراً كان يستخدمه لتربية الطيور المهجنة.

حملت كل عائلة أطفالها وما خفَّ من متاعها مع ما ثقُل من همومها وآلامها وانتقلوا إلى المسكن الجديد، كان البناءُ ذا الطابقين واسعاً موحشاً بارداً مرتفعَ الأسقف، النوافذ والأبواب نوعٌ من الترف هنا، رائحة الرطوبة تملأ المكان لا يوجد شيء إلا أنواع الحشرات الكثيرة المنتشرة في كل الأركان.

والقهر واضحٌ جليٌ في عينيه يحدثنا عبد الرحمن: نزحنا إلى هنا منذ أربعة أشهر، في البداية كان كل واحدٍ منا يريد أن ينشئ مسكناً خاصّاً لأسرته، ولكن مع قلة ذات اليد وغلاءِ مواد البناء لا سبيلَ لذلك فكان الحل أن نستخدم العوازل البلاستيكية والأقمشة المتوفرة لإنشاء الغرف، وبالفعل صنعنا 22 مسكناً لكل عائلة مسكن، وأسميناها غرفاً حتى لو لم تكن مُهيّأة بأدنى أسباب العيش من ماءٍ وكهرباء وصرفٍ صحّي أو أي نواع من الخدمات لكنها تؤوينا وتقي أطفالنا حر الشمس حالياً.

أم مفيد وهي جدة الأسرة وأكبر نسائها تقول والحزن يغمر وجهها الكهولي المتعب: نزحنا من قريتنا بعد أن دمّر الطيران والقصف المدفعي منازلنا إلى هذه المدجنة، نحن أكثر من 95 شخصاً غالبيتنا أطفال نقيم هنا رغم الظروف الصعبة فلا خيار لدينا، فعندنا من المعاناة ما يكفي.

ابني الأكبر اعتقل منذ سبع سنوات ولا نعرف عنه شيئاً، وابني الآخر محمد استشهد منذ 3 سنوات تقريباً أما ابني عبد الرزاق فقد أصيب بمرض نفسي نتيجة الرعب الشديد من القصف ، انسكبت دمعةٌ من عين أم مفيد وبدأت بالبكاء ثم تنهدت وتابعت: أما البعض الأخر من أولادي وأحفادي يعانون أيضًا من أمراض وراثية في البصر نحاول علاجهم ،و لا نعلم كيف سنمضي الشتاء القادم هنا نشكو كل أمورنا إلى الله عسى الله أن يفرج عنا ويردنا إلى أرض وديارنا ولو على ما تبقى من ركام منازلنا فالغربة صعبة وقاسية.

في ذلك البناء الذي سكنه البؤسُ يظهرُ على كل شيء على الجدران على الأقمشة المتعبة القديمة مرارةُ النزوح في عيون الكبار والصغار، الأطفال مصابون بالكآبة، غادروا اللعبَ والمرحَ، وسكنتهم نظرات حزينة لا تجد فيها شغف الطفولة وبريقها المعتاد، تحتار أأطفأتها مرارة النزوح أم رعب القصف والطائرات.

بقلم:أحمد بكّار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى